فصل: تفسير الآيات (1- 17):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (43- 62):

{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)}
قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى} أي: هو الخالق لذلك والقاضي بسببه. قال الحسن، والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار.
وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر، وقيل: أضحك من شاء في الدنيا بأن سرّه، وأبكى من شاء بأن غمه.
وقال سهل بن عبد الله: أضحك المطيعين بالرحمة، وأبكى العاصين بالسخط {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} أي: قضى أسباب الموت والحياة، ولا يقدر على ذلك غيره، وقيل: خلق نفس الموت والحياة، كما في قوله: {خَلَقَ الموت والحياة} [الملك: 2] وقيل: أمات الآباء، وأحيا الأبناء، وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث، وقيل: المراد بهما: النوم واليقظة.
وقال عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله، وقيل: أمات الكافر وأحيا المؤمن، كما في قوله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه} [الأنعام: 122]. {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى} المراد: بالزوجين: الذكر والأنثى من كل حيوان، ولا يدخل في ذلك آدم وحوّاء، فإنهما لم يخلقا من النطفة، والنطفة: الماء القليل، ومعنى {إِذَا تمنى}: إذ تصبّ في الرحم وتدفق فيه، كذا قال الكلبي، والضحاك، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، يقال: مني الرجل وأمنى، أي: صب المنيّ.
وقال أبو عبيدة {إِذَا تمنى} إذا تقدّر، يقال: منيت الشيء: إذا قدّرته ومني له، أي: قدر له، ومنه قول الشاعر:
حَتَّى تلاقي ما يمْني لَكَ الماني

والمعنى: أنه يقدّر منها الولد. {وَأَنَّ عَلَيْهِ النشأة الأخرى} أي: إعادة الأرواح إلى الأجسام عند البعث وفاء بوعده. قرأ الجمهور: {النشأة} بالقصر بوزن الضربة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالمدّ بوزن الكفالة، وهما على القراءتين مصدران. {وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى} أي: أغنى من شاء وأفقر من شاء، ومثله قوله: {يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ} [الرعد: 26] وقوله: {يَقْبِضُ ويبسط} [البقرة: 245] قاله ابن زيد، واختاره ابن جرير.
وقال مجاهد، وقتادة، والحسن: أغنى: موّل، وأقنى: أخدم، وقيل: معنى أقنى: أعطى القنية، وهي ما يتأثل من الأموال. وقيل: معنى أقنى: أرضى بما أعطى، أي: أغناه ثم رضاه بما أعطاه. قال الجوهري: قنّى الرجل قنًى، مثل غنّى غنًى، أي: أعطاه ما يقتني، وأقناه: أرضاه، والقنى: الرضى. قال أبو زيد: تقول العرب: من أعطى مائة من البقر فقد أعطى القنى، ومن أعطى مائة من الضأن فقد أعطى الغنى، ومن أعطى مائة من الإبل فقد أعطى المنى. قال الأخفش، وابن كيسان: أقنى: أفقر، وهو يؤيد القول الأوّل. {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى} هي كوكب خلف الجوزاء كانت خزاعة تعبدها، والمراد بها: الشعرى التي يقال لها: العبور، وهي أشدّ ضياء من الشعرى التي يقال لها: الغميصاء، وإنما ذكر سبحانه أنه ربّ الشعرى مع كونه رباً لكلّ الأشياء للردّ على من كان يعبدها، وأوّل من عبدها أبو كبشة، وكان من أشراف العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن أبي كبشة تشبيهاً له به لمخالفته دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، ومن ذلك قول أبي سفيان يوم الفتح: لقد أمر أمْر ابن أبي كبشة.
{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى} وصف عاداً بالأولى لكونهم كانوا من قبل ثمود. قال ابن زيد: قيل لها: عاداً الأولى، لأنهم أوّل أمة أهلكت بعد نوح.
وقال ابن إسحاق: هما عادان، فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى أهلكت بالصيحة. وقيل: عاد الأولى قوم هود، وعاد الأخرى: إرم. قرأ الجمهور: {عاداً الأولى} بالتنوين والهمز، وقرأ نافع، وابن كثير، وابن محيصن بنقل حركة الهمزة على اللام، وإدغام التنوين فيها. {وَثَمُودَ فَمَا أبقى} أي: أهلك ثموداً كما أهلك عاداً، فما أبقى أحداً من الفريقين، وثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة، وقد تقدّم الكلام على عاد، وثمود في غير موضع. {وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ} أي: وأهلك قوم نوح من قبل إهلاك عاد وثمود {إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وأطغى} أي: أظلم من عاد وثمود وأطغى منهم، أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية، أو أظلم وأطغى من مشركي العرب، وإنما كانوا كذلك، لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة دعوة نوح لهم، كما في قوله: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت: 14] {والمؤتفكة أهوى} الائتفاك: الانقلاب، والمؤتفكة: مدائن قوم لوط، وسميت المؤتفكة لأنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها، تقول: أفكته: إذا قلبته، ومعنى أهوى: أسقط، أي: أهواها جبريل بعد أن رفعها. قال المبرد: جعلها تهوي. {فغشاها مَا غشى} أي: ألبسها ما ألبسها من الحجارة التي وقعت عليها، كما في قوله: {فَجَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ} [الحجر: 74] وفي هذه العبارة تهويل للأمر الذي غشاها به، وتعظيم له، وقيل: إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة، أي: فغشاها من العذاب ما غشّى على اختلاف أنواعه. {فَبِأَىّ الاء رَبّكَ تتمارى} هذا خطاب للإنسان المكذب، أي: فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك وتمتري، وقيل: الخطاب لرسول الله تعريضاً لغيره، وقيل: لكلّ من يصلح له، وإسناد فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدّده بحسب تعدد متعلقه، وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء، أي: نعماً مع كون بعضها نقماً لا نعماً؛ لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ولكون فيها انتقام من العصاة، وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين. قرأ الجمهور {تتمارى} من غير إدغام، وقرأ يعقوب، وابن محيصن بإدغام إحدى التاءين في الأخرى. {هذا نَذِيرٌ مّنَ النذر الاولى} أي: هذا محمد رسول إليكم من الرسل المتقدّمين قبله، فإنه أنذركم، كما أنذروا قومهم، كذا قال ابن جريج، ومحمد بن كعب، وغيرهما.
وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه أنذر بما أنذرت به الكتب الأولى، وقيل: هذا الذي أخبرنا به عن أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، كذا قال أبو مالك.
وقال أبو صالح: إن الإشارة بقوله: {هذا} إلى ما في صحف موسى، وإبراهيم، والأوّل أولى. {أَزِفَتِ الازفة} أي: قربت الساعة ودنت، سماها آزفة لقرب قيامها، وقيل: لدنوّها من الناس، كما في قوله: {اقتربت الساعة} [القمر: 1] أخبرهم بذلك ليستعدّوا لها. قال في الصحاح: أزفت الآزفة: يعني: القيامة، وأزف الرجل: عجل، ومنه قول الشاعر:
أزف الترحل غير أن ركابنا ** لما تزل برحالنا وكأن قد

{لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ} أي: ليس لها نفس قادرة على كشفها عند وقوعها إلاّ الله سبحانه، وقيل: كاشفة بمعنى انكشاف، والهاء فيها كالهاء في العاقبة والداهية، وقيل: كاشفة بمعنى كاشف، والهاء للمبالغة كرواية، والأوّل أولى. وكاشفة صفة لموصوف محذوف، كما ذكرنا، والمعنى: أنه لا يقدر على كشفها إذا غشت الخلق بشدائدها، وأهوالها أحد غير الله، كذا قال عطاء، والضحاك، وقتادة، وغيرهم. ثم وبّخهم سبحانه، فقال: {أَفَمِنْ هذا الحديث تَعْجَبُونَ} المراد بالحديث: القرآن، أي: كيف تعجبون منه تكذيباً {وَتَضْحَكُونَ} منه استهزاءً مع كونه غير محلّ للتكذيب، ولا موضع للاستهزاء {وَلاَ تَبْكُونَ} خوفاً وانزجاراً لما فيه من الوعيد الشديد، وجملة: {وَأَنتُمْ سامدون} في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة لتقرير ما فيها، والسمود: الغفلة والسهو عن الشيء، وقال في الصحاح: سمد سموداً. رفع رأسه تكبراً، فهو سامد، قال الشاعر:
سوامد الليل خفاف الأزواد

وقال ابن الأعرابي: السمود: اللهو، والسامد: اللاهي، يقال للقينة: أسمدينا، أي: ألهينا بالغناء، وقال المبرد: سامدون، خامدون. قال الشاعر:
رمى الحدثان نسوة آل عمرو ** بمقدار سمدن له سمودا

فردّ شعورهنّ السود بيضا ** وردّ وجوههنّ البيض سودا

{فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا} لما وبّخ سبحانه المشركين على الاستهزاء بالقرآن، والضحك منه، والسخرية به، وعدم الانتفاع بمواعظه وزواجره، أمر عباده المؤمنين بالسجود لله، والعبادة له، والفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا كان الأمر من الكفار كذلك، فاسجدوا لله واعبدوا، فإنه المستحق لذلك منكم، وقد تقدم في فاتحة السورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد عند تلاوة هذه الآية، وسجد معه الكفار، فيكون المراد بها سجود التلاوة، وقيل: سجود الفرض.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى} قال: أعطى وأرضى.
وأخرج ابن جرير عنه {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى} قال: هو الكوكب الذي يدعى الشعرى.
وأخرج الفاكهي عنه أيضاً قال: نزلت هذه الآية في خزاعة، وكانوا يعبدون الشعرى، وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء.
وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {هذا نَذِيرٌ مّنَ النذر الأولى} قال: محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عنه أيضاً قال: الآزفة من أسماء القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل قال: لما نزلت هذه الآية: {أَفَمِنْ هذا الحديث تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ} فما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلاّ أن يتبسم. ولفظ عبد بن حميد: فما رؤي النبيّ صلى الله عليه وسلم ضاحكاً، ولا متبسماً حتى ذهب من الدنيا.
وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {سامدون} قال: لاهون معرضون عنه.
وأخرج الفريابي، وأبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عنه: {وَأَنتُمْ سامدون} قال: الغناء باليمانية، كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا.
وأخرج الفريابي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه أيضاً في قوله: {سامدون} قال: كانوا يمرّون على النبيّ صلى الله عليه وسلم شامخين، ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخاً.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن أبي خالد الوالبي قال: خرج عليّ بن أبي طالب علينا، وقد أقيمت الصلاة، ونحن قيام ننتظره ليتقدّم، فقال: ما لكم سامدون، لا أنتم في صلاة ولا أنتم في جلوس تنتظرون؟

.سورة القمر:

ويقال سورة اقتربت.
وهي خمس وخمسون آية.
وهي مكية كلها في قول الجمهور.
وقال مقاتل: هي مكية إلا ثلاث آيات من قوله: {أم يقولون نحن جميع منتصر} إلى قوله: {والساعة أدهى وأمر}.
قال القرطبي: ولا يصح.
وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنها نزلت بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيض الوجوه. قال البيهقي: منكر.
وأخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه: «من قرأ اقتربت الساعة في كل ليلتين بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر».
وأخرج ابن الضريس نحوه عن ليث بن معن عن شيخ من همدان رفعه.
وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر.

.تفسير الآيات (1- 17):

{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)}
قوله: {اقتربت الساعة وانشق القمر} أي: قربت، ولا شك أنها قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد قيام النبوّة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة. ويمكن أن يقال: إنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة كانت قريبة، فكلّ آت قريب {وانشق القمر} أي: وقد انشقّ القمر، وكذا قرأ حذيفة بزيادة: «قد»، والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوّة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف. قال الواحدي: وجماعة المفسرين على هذا إلاّ ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال: المعنى: سينشقّ القمر، والعلماء كلهم على خلافه. قال: وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر؛ لأن انشقاقه من علامات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوّته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة. قال ابن كيسان: في الكلام تقديم وتأخير، أي: انشقّ القمر، واقتربت الساعة.
وحكى القرطبي عن الحسن مثل قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة. وقيل: معنى {وانشقّ القمر}: وضح الأمر وظهر، والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح، وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه، وطلوعه في أثنائها، كما يسمى الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه. قال ابن كثير: قد كان الانشقاق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. قال: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات. قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشقّ يوم القيامة، والأمر بين في اللفظ، وإجماع أهل العلم، لأن قوله: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} يدلّ على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة. انتهى، ولم يأت من خالف الجمهور، وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلاّ بمجرد استبعاد، فقال: لأنه لو انشق في زمن النبوّة لم يبق أحد إلاّ رآه؛ لأنه آية والناس في الآيات سواء. ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلاً، ولا شرعاً، ولا عادة، ومع هذا، فقد نقل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد، ويضرب به في وجه قائله.
والحاصل أنا إذا نظرنا إلى كتاب الله، فقد أخبرنا بأنه انشقّ، ولم يخبرنا بأنه سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيح، وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوّة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم، فقد اتفقوا على هذا، ولا يلتفت إلى شذوذ من شذّ، واستبعاد من استبعد، وسيأتي ذكر بعض ما ورد في ذلك إن شاء الله.
{وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} قال الواحدي: قال المفسرون: لما انشقّ القمر قال المشركون: سحرنا محمد، فقال الله: {وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً} يعني: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق والإيمان بها، ويقولوا: سحر قويّ شديد يعلو كل سحر، من قولهم استمرّ الشيء: إذا قوي واستحكم، وقد قال بأن معنى {مستمرّ}: قوي شديد جماعة من أهل العلم. قال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل، وهو شدّة فتله، وبه قال أبو العالية، والضحاك، واختاره النحاس، ومنه قول لقيط:
حتَّى استمرّت على شَر لا يزنه ** صِدْقُ العزيمة لا رثا ولا ضَرَعا

وقال الفراء، والكسائي، وأبو عبيدة: {سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ} أي: ذاهب، من قولهم مرّ الشيء، واستمرّ إذا ذهب، وبه قال قتادة، ومجاهد، وغيرهما، واختاره النحاس. وقيل: معنى مستمرّ: دائم مطرد، ومنه قول الشاعر:
ألا إنما الدنيا ليال وأعصر ** وليس على شيء قديم بمستمر

أي: بدائم باق، وقيل: {مستمرّ}: باطل، روي هذا عن أبي عبيدة أيضاً. وقيل: يشبه بعضه بعضاً، وقيل: قد مرّ من الأرض إلى السماء، وقيل: هو من المرارة، يقال: مرّ الشيء صار مرًّا، أي: مستبشع عندهم. وفي هذه الآية أعظم دليل على أن الانشقاق قد كان، كما قررناه سابقاً. ثم ذكر سبحانه تكذيبهم، فقال: {وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَاءهُمْ} أي: وكذبوا رسول الله، وما عاينوا من قدرة الله، واتبعوا أهواءهم، وما زيّنه لهم الشيطان الرجيم، وجملة: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب، واتباع الأهواء، أي: وكل أمر من الأمور منته إلى غاية، فالخير يستقرّ بأهل الخير، والشرّ يستقر بأهل الشرّ. قال الفراء: يقول يستقرّ قرار تكذيبهم، وقرار قول المصدّقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. قال الكلبي: المعنى لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. قرأ الجمهور {مستقرّ} بكسر القاف، وهو مرتفع على أنه خبر المبتدأ وهو {كل}. وقرأ أبو جعفر، وزيد بن علي بجر: {مستقرّ} على أنه صفة ل {أمر}، وقرأ شيبة بفتح القاف، ورويت هذه القراءة عن نافع. قال أبو حاتم: ولا وجه لها، وقيل: لها وجه بتقدير مضاف محذوف، أي: وكل أمر ذو استقرار، أو زمان استقرار، أو مكان استقرار، على أنه مصدر، أو ظرف زمان، أو ظرف مكان {وَلَقَدْ جَاءهُم مّنَ الأنباء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: ولقد جاء كفار مكة، أو الكفار على العموم من الأنباء، ومن أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن {مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ} أي: ازدجار على أنه مصدر ميميّ، يقال: زجرته: إذا نهيته عن السوء ووعظته، ويجوز أن يكون اسم مكان، والمعنى: جاءهم ما فيه موضع ازدجار، أي: أنه في نفسه موضع لذلك، وأصله: مزتجر، وتاء الافتعال تقلب دالاً مع الزاي والدال والذال، كما تقرّر في موضعه، وقرأ زيد بن عليّ: {مزجّر} بقلب تاء الافتعال زاياً وإدغام الزاي في الزاي، و{من} في قوله: {مّنَ الأنباء} للتبعيض، وهي وما دخلت عليه في محل نصب على الحال، وارتفاع {حِكْمَةٌ بالغة} على أنها خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من {ما} بدل كل من كل، أو بدل اشتمال، والمعنى: أن القرآن حكمة قد بلغت الغاية ليس فيها نقص ولا خلل، وقرئ بالنصب على أنها حال من ما أي: حال كون ما فيه مزدجر حكمة بالغة {فَمَا تُغْنِى النذر} {ما} يجوز أن تكون استفهامية، وأن تكون نافية، أي: أيّ شيء تغني النذر، أو لم تغن النذر شيئًا، والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة، والنذر جمع نذير بمعنى: المنذر، أو بمعنى الإنذار على أنه مصدر.
ثم أمره الله سبحانه بالإعراض عنهم، فقال: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} أي: أعرض عنهم حيث لم يؤثر فيهم الإنذار، وهي منسوخة بآية السيف {يَوْمَ يَدْعُو الداع إلى شَئ نُّكُرٍ} انتصاب الظرف إما بفعل مقدّر، أي: اذكر، وإما ب {يخرجون} المذكور بعده، وإما بقوله: {فَمَا تُغْنِى}، ويكون قوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ} اعتراض، أو بقوله: {يَقُولُ الكافرون} أو بقوله: {خُشَّعاً} وسقطت الواو من {يدع} اتباعاً للفظ، وقد وقعت في الرسم هكذا، وحذفت الياء من الداع للتخفيف، واكتفاء بالكسرة، والداع: هو إسرافيل، والشيء النكر: الأمر الفظيع الذي ينكرونه استعظاماً له لعدم تقدّم العهد لهم بمثله. قرأ الجمهور بضم الكاف. وقرأ ابن كثير بسكونها تخفيفاً. وقرأ مجاهد، وقتادة بكسر الكاف، وفتح الراء على صيغة الفعل المجهول {خُشَّعاً أبصارهم} قرأ الجمهور: {خشعاً} جمع خاشع. وقرأ حمزة، والكسائي وأبو عمرو: {خاشعاً} على الإفراد، ومنه قول الشاعر:
وَشَبَاب حَسَن أَوْجُهُهُم من ** إياد بن نِزارِ بن مَعد

وقرأ ابن مسعود: {خاشعة} قال الفراء: الصفة إذا تقدّمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث والجمع، يعني: جمع التكسير لا جمع السلامة؛ لأنه يكون من الجمع بين فاعلين، ومثل قراءة الجمهور قول امرئ القيس:
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم ** يقولون لا تهلك أسى وتجلد

وانتصاب {خشعاً} على الحال من فاعل يخرجون، أو من الضمير في {عنهم}، والخشوع في البصر: الخضوع والذلة، وأضاف الخشوع إلى الأبصار؛ لأن العزّ والذلّ يتبين فيها {يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} أي: يخرجون من القبور، وواحد الأجداث: جدث، وهو القبر، كأنهم لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض جراد منتشر، أي: منبث في الأقطار مختلط بعضه ببعض.
{مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع} الإهطاع: الإسراع، أي: قال كونهم مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل، ومنه قول الشاعر:
بِدجْلةَ دَارهُم ولقد أرَاهُمْ ** بِدجْلَةََ مُهْطِْعين إلى السَّماعِ

أي: مسرعين إليه، وقال الضحاك: مقبلين، وقال قتادة: عامدين.
وقال عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت، والأوّل أولى، وبه قال أبو عبيدة، وغيره، وجملة: {يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ} في محل نصب على الحال من ضمير {مهطعين}، والرابط مقدر، أو مستأنفة جواب سؤال مقدّر؛ كأنه قيل: فماذا يكون حينئذ، والعسر: الصعب الشديد، وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين. ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدّم من الأنباء المجملة فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} أي: كذبوا نبيهم، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: {فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} تفسير لما قبله من التكذيب المبهم، وفيه مزيد تقرير وتأكيد، أي: فكذبوا عبدنا نوحاً، وقيل المعنى: كذبت قوم نوح الرسل، فكذبوا عبدنا نوحاً بتكذيبهم للرسل فإنه منهم. ثم بيّن سبحانه أنهم لم يقتصروا على مجرّد التكذيب، فقال: {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} أي: نسبوا نوحاً إلى الجنون، وقوله: {وازدجر} معطوف على قالوا، أي: وزجر عن دعوى النبوّة، وعن تبليغ ما أرسل به بأنواع الزجر، والدال بدل من تاء الافتعال، كما تقدّم قريباً، وقيل: إنه معطوف على {مجنون} أي: وقالوا إنه ازدجر. أي: ازدجرته الجنّ، وذهبت بلبه، والأوّل أولى. قال مجاهد: هو من كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسبّ وأنواع الأذى. قال الرازي: وهذا أصح؛ لأن المقصود تقوية قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدّمه. {فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ فانتصر} أي: دعا نوح ربه على قومه بأني مغلوب من جهة قومي، لتمرّدهم عن الطاعة، وزجرهم لي عن تبليغ الرسالة، فانتصر لي، أي: انتقم لي منهم. طلب من ربه سبحانه النصرة عليهم لما أيس من إجابتهم، وعلم تمرّدهم وعتوّهم، وإصرارهم على ضلالتهم. قرأ الجمهور: {أني} بفتح الهمزة، أي: بأني. وقرأ ابن أبي إسحاق، والأعمش بكسر الهمزة، ورويت هذه القراءة عن عاصم على تقدير إضمار القول، أي: فقال. ثم ذكر سبحانه ما عاقبهم به فقال: {فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ} أي منصبّ انصباباً شديداً، والهمر: الصبّ بكثرة، يقال: همر الماء والدمع يهمر همراً، وهموراً: إذا كثر، ومنه قول الشاعر:
أعينيّ جُودا بالدَّموعِ الهَوَامرِ ** على خيرِ بَادٍ من مَعَدٍّ وحَاضِرِ

ومنه قول امرئ القيس يصف عيناً:
رَاحَ تمرّ به الصَّبَا ثم انْتَحَى ** فيه بشُؤْبوُب جَنُوبٍ مُنْهَمرِ

قرأ الجمهور {فتحنا} مخففاً. وقرأ ابن عامر، ويعقوب بالتشديد {وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً} أي: جعلنا الأرض كلها عيوناً متفجرة، والأصل: فجرنا عيون الأرض.
قرأ الجمهور {فجرنا} بالتشديد. وقرأ ابن مسعود، وأبو حيوة، وعاصم في رواية عنه بالتخفيف. قال عبيد بن عمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها، فتفجرت بالعيون. {فَالْتَقَى الماء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضي عليهم، أي: كائناً على حال قدّرها الله وقضى بها.
وحكى ابن قتيبة أن المعنى على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر، بل كان ماء السماء وماء الأرض على سواء. قال قتادة: قدّر لهم إذا كفروا أن يغرقوا. وقرأ الجحدري {فالتقى الماءان} وقرأ الحسن {فالتقى الماوان} ورويت هذه القراءة عن عليّ بن أبي طالب، ومحمد بن كعب: {وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ} أي: وحملنا نوحاً على سفينة ذات ألواح، وهي الأخشاب العريضة {وَدُسُرٍ} قال الزجاج: هي المسامير التي تشدّ بها الألواح واحدها: دسار، وكل شيء أدخل في شيء يشدّه فهو الدسر، وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب، وابن زيد، وسعيد بن جبير، وغيرهم.
وقال الحسن، وشهر بن حوشب، وعكرمة: الدسر: ظهر السفينة التي يضربها الموج، سميت بذلك لأنها تدسر الماء، أي: تدفعه، والدسر: الدفع.
وقال الليث: الدسار: خيط تشدّ به ألواح السفينة. قال في الصحاح: الدسار واحد الدسر: وهي خيوط تشدّ بها ألواح السفينة، ويقال: هي المسامير {تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا} أي: بمنظر ومرأى منا وحفظ لها، كما في قوله: {واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا} [هود: 37] وقيل: بأمرنا، وقيل: بوحينا، وقيل: بالأعين النابعة من الأرض، وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها {جَزَاء لّمَن كَانَ كُفِرَ} قال الفراء: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثواباً لمن كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، فإنه كان لهم نعمة كفروها، فانتصاب {جزاء} على العلة، وقيل: على المصدرية بفعل مقدّر، أي: جازيناهم جزاء. قرأ الجمهور {كفر} مبنياً للمفعول، والمراد به نوح. وقيل: هو الله سبحانه، فإنهم كفروا به، وجحدوا نعمته. وقرأ يزيد بن رومان، وقتادة، ومجاهد، وحميد، وعيسى كفر بفتح الكاف، والفاء مبنياً للفاعل، أي: جزاء وعقاباً لمن كفر بالله. {وَلَقَدْ تركناها ءايَةً} أي: السفينة تركها الله عبرة للمعتبرين، وقيل المعنى: ولقد تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة، وموعظة. {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أصله: مذتكر، فأبدلت التاء دالاً مهملة، ثم أبدلت المعجمة مهملة لتقاربهما، وأدغمت الدال في الذال، والمعنى: هل من متعظ ومعتبر يتعظ بهذه الآية، ويعتبر بها. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ} أي: إنذاري. قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، والاستفهام للتهويل والتعجيب، أي: كانا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف، وقيل: نذر جمع نذير، ونذير بمعنى الإنذار كنكير: بمعنى الإنكار {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ} أي: سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه، وقيل: هيأناه للتذكر والاتعاظ {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي: متعظ بمواعظه ومعتبر بعبره.
وفي الآية الحث على درس القرآن، والاستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه، ومدكر أصله: مذتكر، كما تقدّم قريباً.
وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أنس: أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما.
وروي عنه من طريق أخرى عند مسلم، والترمذي، وغيرهم وقال: فنزلت: {اقتربت الساعة وانشق القمر} وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا».
وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عنه قال: رأيت القمر منشقاً شقتين مرّتين: مرّة بمكة قبل أن يخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم: شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء. وذكر أن هذا سبب نزول الآية.
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم عنه أيضاً قال: رأيت القمر وقد انشقّ، وأبصرت الجبل بين فرجتي القمر. وله طرق عنه.
وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن ابن عباس قال: انشقّ القمر في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وله طرق عنه.
وأخرج مسلم، والترمذي، وغيرهما عن ابن عمر في قوله: {اقتربت الساعة وانشق القمر} قال: كان ذلك على عهد رسول الله انشقّ فرقتين: فرقة من دون الجبل، وفرقة خلفه، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهم اشهد».
وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير بن مطعم عن أبيه في قوله: {وانشق القمر} قال: انشقّ القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم عن عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: {اقتربت الساعة وانشق القمر}، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشقّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، اليوم المضمار وغداً السباق.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مُهْطِعِينَ} قال: ناظرين.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ} قال كثير: لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم، ولا بعده إلاّ من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عنه أيضاً {على ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ} قال: الألواح: ألواح السفينة، والدسر: معاريضها التي تشد بها السفينة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَدُسُرٍ} قال: المسامير.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: الدسر كلكل السفينة.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي عنه أيضاً في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ} قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله.
وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً مثله.
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} قال: هل من متذكر.